click for full size
 
حاوره: محمد أبو لبدة ومحمود عوض الله

كشف وزير التربية والتعليم العالي د. صبري صيدم أن واشنطن حجبت تقريراً أعدته في العام ٢٠١٣ حول المنهاج الفلسطيني يقر بخلوه من أي مواد تحريضية.
وبين د. صيدم في حوار خاص مع «القدس» أن حجب التقرير جاء لأنه ينتصر للحقيقة ولفضحه التحريض الموجود في المنهاج الإسرائيلي، متوعداً بنشر هذا التقرير إن لم تقم واشنطن بنشره.
وبشأن امتحان الثانوية العامة «الإنجاز»، قال د. صيدم إن «لجان التصحيح تعمل على مدار الساعة وبوتيرة عالية رغم أجواء رمضان»، متأملاً أن تعلن النتائج بأقصى سرعة ممكنة، ووعد بتسريع الخطى نحو ذلك قدر المستطاع.
وأوضح أن المشاكل التي صاحبت إعلان نتائج الثانوية العام الماضي كانت «فنية بحتة وعولجت بشكل سريع، وقد تم اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لتجنب حصول إشكاليات خلال الإعلان عن النتائج هذا العام».
وتحدث د. صيدم عن واقع التعليم في مدينة القدس ومحاولات الاحتلال لأسرلته، وعن برامج وخطط الوزارة ولاسيما في مجال دمج التعليم المهني والتقني وخدمة أبناء شعبنا في الخارج، وحال التعليم في قطاع غزة في ظل الجمود الذي ينتاب ملف تحقيق المصالحة، ورد على الشكاوى بخصوص امتحان التوظيف، ونسبة البطالة المرتفعة، واعتماد التخصصات في الجامعات، وإحالة موظفين للتقاعد، وضعف البحث العلمي. وفيما يلي نص الحوار كاملاً:

■ كيف سارت مجريات امتحان الثانوية العامة «الإنجاز»؟
- انطلق «الإنجاز» للسنة الثانية على التوالي مركزاً على تمكين الطالب من الحصول على فرص أفضل بالنجاح من خلال 3 دورات، وأصبح يتضمن ملف الإنجاز.. هذا الملف الذي يتابع التطور الأكاديمي للطالب ومهاراته وإمكانياته الفردية وتشجيع روح المبادرة، ويقاس من خلال 22 معياراً تسجم مع المعايير الدولية الخاصة بالإنجاز، ويأخذ بعين الاعتبار التطور الحاصل على المهارات الشخصية للطالب، وعدم الاكتفاء بالامتحان كآلية للتقييم.
أقول إن الأمور تسير بالاتجاه الصحيح وبحمد الله، والعام الماضي شهد أعلى معدل نجاح بسبب توفير فرص إضافية لطلبتنا وإمكانية تحسين العلامات، وهو مفهوم جديد، وستنطلق الدورة الثانية في شهر آب وستوفر المساحة ليس فقط لمن يريد أن يكمل أو يحسن علامته، ولكن أيضاً لمن واجه صعوبات كاستشهاد أو وفاة قريب من الدرجة الأولى أو حالة مرض أو اعتقال، حيث نعفيه من الجلوس في الدورة الأولى ونطلب منه أن يجلس في الدورة الثانية.
وفي حالة الطوارئ القصوى؛ يسمح للطالب أن يجلس في الدورة الثالثة، وبالتالي هذه فرص ذهبية متواصلة ضمن فترات زمنية غير متباعدة، وعليه لا يحتاج الطالب لينتظر سنة دراسية كاملة من أجل أن يعود للجلوس لامتحان الثانوية العامة.
الأمور تسير حسب ما هو مخطط، وهذا العام تميز بوقف زيارات المسؤولين، وأحيي دولة رئيس الوزراء د. رامي الحمد الله ومجلس الوزراء الذي بارك قرار لجنة الامتحانات العامة بمنع الزيارات الميدانية تماماً لخفض الرهبة لدى الطلبة وتنجنيبهم حالة الازعاج والتشويش.

■ شريحة من الطلبة تتذمر من بعض جلسات الامتحان؟
- في كل امتحان ثانوية عامة تم على مدار العقود الماضية سمعنا تذمرات، هناك طلبة لا يستعدون للامتحان بالشكل المطلوب وبالتالي سيتذمرون من أي امتحان، وهناك طلبة يقاتلون على العُشر من العلامة وإذا استصعبوا من امتحان أيضاً سيشتكون. نحن نرى شرائح مختلفة، وسجل كل طالب موجود لدينا ونستطيع مراجعة أداء كل طالب. نحن نقيس الأمور وفق التغذية الراجعة من مراكز التصحيح وما وجدناه -حتى الآن- هو ضمن المعدل السنوي المعتاد. ونحن نتابع تفاصيل التفاصيل للحفاظ على مستوى متقدم للامتحان وقيمته بما يفي بتعهداتنا أمام العالم للشهادة التي نمحنها.

■ واجهتم خللاً في إعلان نتائج العام الماضي.. هل تداركته الوزارة؟
- عدم خروجنا للإعلام لا يعني أننا لا نتدارس في أي من الإشكاليات التي نواجهها. كانت مشكلة العام الماضي فنية بحتة وعالجناها بشكل سريع، وهذا العام اتخذنا كل الإجراءات اللازمة لتجنب حصول إشكاليات أو إرباك في الإعلان عن النتائج بما يجنب إزعاج الطلبة والأهالي.

■ متى تتوقعون إعلان نتائج الثانوية العامة؟
- لجنة الامتحانات العامة اتخذت قراراً واحداً فقط حتى اللحظة: أن يتم تحديد موعد قريباً يتم إخبار الطلبة وذويهم فيه بأن النتائج لن تعلن قبله؛ حتى يتسنى لهم ترتيب أمورهم، من دون تحديد موعد دقيق.

■ ما هي الفترة التي تتوقعون الإعلان عن النتائج خلالها؟
- هذا يعتمد على همة مراكز التصحيح؛ نحن نعمل على مدار الساعة وبوتيرة العالية رغم رمضان، وأملي أن تعلن النتائج بأقصى سرعة ممكنة وسنحاول تسريع الخطى نحو ذلك ذلك قدر المستطاع، خصوصا أنها فترة شد أعصاب للطلبة الذين يتظرون وأهلهم النتيجة بفارغ الصبر.

■ لماذا كل هذا التحريض من قبل الاحتلال على مناهجنا؟
- نحن نعتبر هذه إسطوانة إسرائيلية مشروخة دأبت إسرائيل على إثارتها مع صلابة الموقف الفلسطيني. إسرائيل تحاول الضغط علينا في موضوع المناهج لسببين رئيسين؛ الأول، لإشعال حرائق صغيرة تحرف البوصلة عن هدف العملية التعليمية بحماية الهوية الوطنية، وثانيها، من أجل التغطية على تهويد وأسرلة التعليم بالقدس لشرعنة استهدافه وشرعنة إزالة المدرس التي ندشنها باعتبار أنها مدارس تحريضية وهو ما تفشل به إسرائيل.
وفي هذا المجال، أود التأكيد وعبر منبركم أننا نفتح مدارسنا وكتبنا للدراسة والمراجعة أمام أي زائر من العالم.
لقد أرسل لنا البعض خبراء واطلعوا على المناهج وأعلمونا بأنه لا مشكلة في المناهج الفلسطينية وحتى وكالة الغوث أعلنت ذلك رسمياً.
وفي هذا السياق، ندعو واشنطن لنشر التقرير الذي أعدته حول التحريض المزعوم في مناهجنا، وتحريض المناهج الإسرائيلية، والذي يقر خلو مناهجنا من المواد التحريضية، لكن التقرير بين بشكل جلي حجم التحريض المناهج الإسرائيلية، وبناء على ذلك فقد تم حجبه ورفض نتائجه. لذلك، سنقوم بنشر هذا التقرير إذا لم تقم الإدارة الأميركية بنشره.
قمنا بإعداد دراسة مقارنة بين منهاجنا ومنهاج إسرائيل ولدينا ورقة نشرناها توضح حقيقة المناهج الإسرائيلية التحريضية.
وفي هذا السياق، أستذكر عندما فضت قوات الاحتلال العام الماضي ندوة دعيت لها كضيف في مدينة القدس المحتلة نظمتها مؤسسة «باسيا» حول التحريض الإسرائيلي وكانت ستتحدث فيها الكاتبة الإسرائيلية نوريت بيليد عن حجم التحريض وحظر الاجتماع بموجب قرار إسرائيلي لخشيتها من فتح ملف التحريض في منهاجها.

■ كيف تواجهون محاولات الاحتلال لـ«أسرلة» التعليم في القدس؟
- في المدينة المقدسة، هناك 4 أنواع من المدارس؛ مدارس الأوقاف، ومدارس المقاولات، والمدارس الخاصة، ومدارس البلدية (المعارف الإسرائيلية) وجميع هذه المدارس تعتمد المنهاج الفلسطيني أو أنظمة معتمدة فلسطينياً باستثناء الأخيرة تدرس المنهاج الإسرائيلي.
هناك تصريحات واضحة عن المسؤولين الإسرائيليين حيال أسرلة التعليم، القضية ليس خفية وإنما محاولات صريحة وواضحة، كان آخرها تخصيص 2 مليار شيكل لذلك، وبادعاء تطوير واقع التعليم. ونحن نرى معركة التعليم معركة أساسية في نضالنا مع الاحتلال.
من الواضح أن إسرائيل أعلنت الحرب على الهوية الفلسطينية وتستهدف التعليم باعتباره المنصة التي ترسخ هذه الهوية، وعليه، سياسة وزير التعليم الإسرائيلي نفتالي بينيت واضحة هي "العصا والجزرة"؛ العصا للمدارس التي تلتزم بمنهاجنا من خلال منع تطويرها وتأهيل المباني والتضييق عليها والجزرة للمدارس التي تعتمد المنهاج الإسرائيلي بإغداق الميزانيات عليها.
وفي ذات الإطار، تحاول إسرائيل خنق الجامعات الفلسطينية من خلال رفض الاعتراف بشهادات بعض الأقسام والكليات كما رشح موخراً بخصوص جامعة القدس، والهدف إجبار الطلبة الفلسطينيين على دارسة المناهج الإسرائيلية والدراسة في الجامعات الإسرائيلية هذا إن استطاعوا أصلاً استكمال دراستهم.
إنني أدق ناقوس الخطر فكل خطوة تقدم عليها إسرائيل محسوبة، وهذه معركة مفتوحة نخوضها للحفاظ على هويتنا وصدرت فتوى واضحة تحرم التعليم وفق المنهاج الإسرائيلي. ولذلك، استحدثنا برنامج حماية التعليم في القدس وبدأنا باتخاذ خطوات عملية منها زيادة حصة المقدسيين من المنح الدراسية، وإعفاء الطلبة المقدسيين من الرسوم الجامعية، وتوفير منح من القطاع الخاص، وإعفاء طلبة الثانوية العامة من رسوم الامتحان ابتداءً من العام القادم- وتوفير الإمكانيات التعليمية لدعم المدارس الخاصة.
إنها معركة شرسة وإمكانيات الاحتلال كبيرة مقارنة بإمكانياتنا، لكنها معركة صمود ووجود، سنخوضها من بيت إلى بيت للحفاظ على مناهجنا وتعليمنا الوطني، كما أن التعليم بالقدس ليس فقط بحاجة لانتفاضة فلسطينية بل نحن بحاجة إلى انتفاضة عربية ودولية.
وأسأل: الذي قتل وحرق أطفالنا ومنهم محمد أبو خضير وعائلة دوابشة والمسعفة رزان النجار ومن يعتقل الطالبة عهد التميمي - التي كان من المفترض أن تتقدم لامتحانات الثانوية - من قتل ونكل بهؤلاء من أي منهاج درس؟! إنهم قتلة نتاج منهاج إسرائيلي مشبع بالتحريض.. هذا هو المنهاج الذي يجب أن يدينه العالم وليس منهاج الضحية.

■ في موضوع المناهج أيضاً، الخلاف مع «الأونروا» وصل إلى أين؟
- تصاعدت وتيرة الخلاف مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، وكنا قد أعلنا وقف الاتصال معها. وهذا استدعى تدخلاً مباشراً من رئاسة الوكالة والتواصل مع القيادة الفلسطينية، وتم الاجتماع واستئناف الحديث على أرضية قائمة على أن المؤسسة الدولية تحترم مناهج الدول المضيفة، والوكالة عادت وقالت إنها ستستخدم مواد إثرائية، ونحن لا نمنع أحداً من ذلك طالما أنها تعزز مناهجنا. ولكن، لن نقبل بأي شكل من الأشكال باستبدال ولو حرفاً واحداً من مناهجنا لأننا نعتبر هذا مسا بالسيادة الوطنية، ونحن حالياً على وفاق تام مع الوكالة ونسخر إمكانياتنا لدعمها أمام الضغوطات الأميركية.

■ هل انتهيتم من تغيير المناهج؟
- قمنا بتغيير مناهج جميع الصفوف وبقي منهاج الصف الثاني عشر. هذا العام آخر عام يقدم فيه امتحان الثانوية العامة وفق المنهاج القديم، وسنطرح المنهاج الجديد في بداية العام الدراسي القادم، وبالتالي سيكون المنهاج قد استبدل ولجميع الصفوف، وبشكل كامل.

■ هل يفرض المانحون شروطاً على الوزارة؟
- لدينا إستراتيجية ومحاور تطويرية. من يريد أن يعمل معنا وفقها نقول له أهلاً وسهلًا.. ومن يريد أن يفرض علينا رؤية.. إذا كانت مرتبطة بمفهوم التطوير ولا تتعارض معنا نأخذ فيها، ولكن إذا كانت إملاءات سياسية نرفضها جملةً وتفصيلًا.
إننا شعب تحت الاحتلال والعملية التعليمية مستندة إلى أسس وضوابط وطنية واضحة وهناك القانون الدولي وقرارت الشرعية الدولية.

■ ولكن، البعض قال إن تغيير المناهج جاء استجابة لإملاءات دولية؟
- هناك من قال إن تغييرنا للمناهج جاء استجابة لضغوط دولية من أجل خفض منسوب الوطنية فيها وتغيير الخارطة الفلسطينية والتنازل عن مفاهيم المقاومة. وما ينفي ذلك الحرب التي تشنها إسرائيل؛ فالبعد الوطني وترسيخ الهوية الوطنية والتركيز على محاور النضال الفلسطيني أصبحت أعلى في المنهاج الجديد وهذا ما آثار غضب الإسرائيليين مع أن كل هذا كما أسلفت هو ضمن الضوابط والمواثيق الدولية.

■ الشكاوى تتكرر من امتحان التوظيف.. ولا شك أن عليكم جزءاً من المسؤولية في نسب البطالة المرتفعة؟
- نواجه فائضاً في الخريجين وتخمة في تخصصات معينة في السوق الفلسطيني، وتحدثنا في مجلس التعليم العالي بصراحة مع الجامعات واتخذنا خطوات احترازية منها وقف اعتماد برامج مكررة، وإغلاق بعض التخصصات من خلال الاستفادة من الكوادر البشرية والمواردها في تخصصات جديدة من دون فرض أعباء على الجامعات بوقف تدريس تخصص معين.
للأسف، الأهل ما زالوا يشجعون أبناءهم باتجاه الهندسة والطب وتخصصات أخرى على حساب تخصصات نواجه ندرة بوجود خريجين فيها. وعليه نجد من واجبنا الضغط باتجاه تقنين التخصصات.
وفي اعتمادنا للتخصصات وتقنينها ووقف التكرار، نستند إلى بيانات جهاز الإحصاء، ومازلنا نعمل في هذا الاتجاه.
اليوم، بتنا نقول للدول التي تعيطنا منحاً جامعية.. لا تعطونا منحاً في تخصصات موجودة في فلسطين.. نريد تخصصات لا نستيطع أن نغطيها مثلا: كزراعة الأعضاء، والطاقة البديلة.
وبالنسبة لامتحان التوظيف، قانون الخدمة المدنية يفسح المجال أمام الجميع التقدم وبالتالي هذا العدد الهائل من المتقدمين، مع ملاحظة أن الخريج الذي تخرج منذ سنوات ولم يعمل تكون مستوى المعلومات والدراية في تخصصه أقل من معلومات من تخرج حديثا، وبالتالي تصلنا هذه الشكاوى.
نواجه معادلة مؤلمة.. هذا العام كان عدد المتقدمين لوظيفة مدرس 50431 متقدما تنافسوا على ألف وظيفة. تخيلوا، في نهاية المطاف، عندما تختار الألف هل سيخرج 49431 راضين عن الوزارة؟ طبعا سنواجه بتهم وشائعات وفيض من الشكاوى.
لا نستطيع توظيف الجميع؛ نوظف وفق احتياجاتنا بناء على التمدد السكاني، ورغم ذلك وسعياً منا للتخفيف من هذه المشكلة ذهبنا لوزارة العمل ووقعنا معهم اتفاقية وتم تدشين موقع إلكتروني ودعونا كل من لم يحصل على وظيفة أن يتقدم للحصول من صندوق التشغيل على تدريب وتمويل لمشروع صغير، ولكن أعترف أن هذه التجربة لم تكن ناجحة بسبب عدم الإقبال على هذا الاتجاه إما لعدم الدراية أو لأن المتقدم أصلا لا يريد إلا وظيفة عامة.
لذلك، هذه مشكلة مركبة لها علاقة بالتخصصات والنهج المجتمعي وطبيعة المجتمع التي تعتقد أن من مسؤولية الدولة توظيفه.

■ ماذا بشأن استحداث كلية طب في الخليل؟
- اتخذنا قراراً في مجلس الوزراء باستحداث كلية طب في الخليل وما جرى أنه وجدنا جامعة الخليل وبوليتنكنك فلسطين تريدان افتتاح تخصص الطب وشكلنا لجنة لتصل إلى لغة توافقية وكان آخر خيار لدى اللجنة أن يتم الإعلان عن إنشاء كلية طب حكومية في حال فشلت الجهود من أجل دمج جهد الجامعتين ولم توفق بذلك فأعلنا عن تشكيل كلية طب حكومية.

■ في حوار سابق لنا، وجدنا إمتعاضا لدى إدارة جامعة بيرزيت من عدم منحها تراخيص لكلية طب.. ما تعليقكم؟
- هذه قرارات هيئة الاعتماد والجودة؛ تأتينا عشرات الطلبات من مختلف الجامعات سنويا، تقنين التخصصات وتجنب التكرار وضبط سوق العمل والتركيز على التعليم المهني والتقني.. كل هذا يستوجب اتخاذ قرارات حاسمة. وهذه القرارات في كثير من الأحيان لا تعجب إدارات الجامعات وهذا شيء نتفهمه، ولكن مسؤوليتنا ضبط إيقاع العمل في مؤسسات التعليم العالي من خلال الخطوات التي نتخذها وكثير منها مستندة إلى طاولة مجلس التعليم العالي ولكن بعضها يأتي في إطار عمل هيئة الاعتماد والجودة. عرضنا على مجلس التعليم العالي تعويم التعليم العالي بحيث تقبل الجامعات وفق المعدلات التي تراها مناسبة أو أن تأخذ الجامعات زمام المبادرة فأصر مجلس التعليم العالي على الحاجة لمسؤولية الوزارة وهيئة الاعتماد والجودة لضبط قطاع التعليم العالي، وطالما أُعيطنا هذه المسؤولية وهنالك قانون تعليم عال جديد نشر في الجريدة الرسمية حديثاً وأصبح نافذاً يجب أن يلتزم الجميع بما يخرج عن الوزارة؛ فقراراتنا ليس مرتجلة أو مفاجئة.

■ إلى أين وصلتم في دمج التعليم المهني والتقني؟
- أجرينا مراجعة شاملة للمشاريع التي عملت عليها الوزارة في هذا المجال خلال السنوات الماضية وتفاصيل العمل مع الوزارات الأخرى وأقول إننا وجدنا أنه لم يتحقق الاختراق الذي كنا نريده. قررنا الذهاب باتجاه آخر عبر قتل النمطية التي يتعامل بها المجتمع مع التعليم المهني والتقني بأنه تعليم "دوني"، وبصراحة، نرفض قاعدة التعامل مع من لا يفلح بالمجال الأكاديمي أن يذهب إلى التعليم المهني والتقني.. حيث صار الانطباع العام أنه للكسالى وغير المجدين. فيما قبول الأهل للتعليم المهني والتقني ضعيف جداً، وللأسف حتى علاقات النسب بين الأسر باتت ترتبط بالتحصيل العلمي.
وبالتالي، رأينا إدخال التعليم التقني والمهني في التعليم المدرسي بصورة تدريجية، وطبقناه في العام الدراسي 2016-2017 في 156 مدرسة عبر دمجه في صفوف السابع والثامن والتاسع في كل عام ثلاث مهن، ثم دمجناه العام 2017-2018 في 1183 مدرسة منها 27 مدرسة في غزة وبدأنا نرى تحسن الإقبال وخصوصاً من قبل الطالبات والطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة مع بدء قبول المجتمع تدريجياً، ومع العام الدراسي القادم سيكون هناك توسعة كبيرة لهذا المفهوم وبالتالي هناك نقلة نوعية تدعو للفخر.
وفي هذا المجال، أعدنا إحياء مجلس الأعلى للتعليم المهني والتقني واتفقنا على تبادلية رئاسته بيني وبين وزير العمل وهناك مركز تطوير منبثق عنه يضم مؤسسات التعليم العالي والقطاع الخاص.
وعبر "القدس" أقول إن أي جامعة أو كلية ستتقدم بطلب فتح في التخصص التعليم المهني والتقني.. سنسارع بالموافقة؛ هذا مستقبلنا.

■ ماذا عن جهودكم في مجال تشجيع الطاقة النظيفة؟
- لاحظنا أن هناك طاقة مهدرة يومياً وأن الثقافة المجتمعية غائبة في اعتماد هذا النمط، بالإضافة إلى أن أسطح مدراسنا غير مستغلة، وبالتالي بادرنا لتركيب وحدات لتوليد الطاقة من خلال الأشعة الشمسية، وحيث إن خبرتنا محدودة في هذا المجال، قررنا في مجلس الوزراء السماح لصندوق الاستثمار الفلسطيني أن يدخل في شراكة مع الوزارة ليصبح هو المطور من خلال الاستفادة من أسطح المدارس ضمن فلسفة قائمة على ثلاثة محاور: الأول؛ أولوية الطاقة الناتجة تعود للمدرسة، والثاني؛ الطاقة الفائضة تباع للمجتمع المحلي وجزء من عائداتها يعود لتشغيل المدرسة، والثالث؛ تعزيز هذه الثقافة لدى طلبتنا بالتعرف عن قرب على هذه التكنولوجيا.
لقد بدأنا بخطوات عملية وصندوق الاستثمار سيبدأ بتنفيذ الحزمة الأولى التي تتضمن 500 مدرسة وندعو كل الشركات الفلسطينية للتعاون.

■ كيف تسيرون في ظل حالة الانقسام وجمود ملف المصالحة؟
- وزارتنا كانت الأقل تأثراً من الانقسام، ولكن وجدنا تحديات كبيرة، وقد بدأنا مواجهتها بشكل فعلي من خلال وجودنا في قطاع غزة، ولا أخفيكم أن مساحة التفاؤل زادت بصورة كبيرة بين الثاني من تشرين الأول ٢٠١٧ ومطلع آذار الماضي، وتوجهت للقطاع خلال تلك الفترة 15 مرة، لأن كل ما تحدثنا عنه من مفاهيم تطويرية في التعليم بتنا قادرين على تنفيذها وخصوصاً في موضوعات رقمنة التعليم، ودمج التعليم المهني والتقني، وملف الإنجاز، والاهتمام برياض الأطفال وخلافه. لكن، ما حصل في 13 آذار الماضي من محاولة تفجير موكب رئيس الوزراء انعكس بشكل سلبي على عملنا. رغم ذلك، هناك محاور رئيسية لا تتوقف مهما كان الواقع السياسي سيئا وهذا ما نعتز به في الأسرة التربوية لأن أبناءنا يجب أن لا يقعوا ضحية الانقسام. وكما تلاحظون امتحان الثانوية العامة يسير بشكل متواز بين الضفة والقطاع والمقررات يجري العمل عليها ضمن فرق مشتركة وتطبع هنا وهناك ونواصل بناء المدارس وتطويرها.
كنا على وشك الإعلان عن مشروع الـ100 مدرسة في القطاع واستدعينا المانحين وبدأنا نتسلم التعهدات المالية وتعرقل هذا المشروع. أملنا أن ينتهي الانقسام لينعكس ذلك على عملنا فقلوبنا في غزة.

■ هل عدد المدرسين كاف؟
- بصراحة، راجعنا كل أرقامنا واحتياجاتنا ووافقنا على طلب عدد من المدرسين بالإحالة إلى التقاعد، بعد أن تأكدنا بأن الاحتياج يتم توفيره وأن تقاعدهم لن يؤثر على المسيرة التربوية. ونفخر بأنه خلال فترة الوئام -على الأقل- أعدنا حوالي 1500 كادر تعليمي في قطاع غزة وهو ما ذلل الكثير من الصعوبات.

■ لكن، شريحة ممن أحيلوا على التقاعد.. احتجوا؟
- اللجان التي درست ملفات الموظفين أوصت بإحالتهم للتقاعد المبكر ولكل حالة لدينا أسبابها. البعض خرج لوسائل التواصل الاجتماعي وانتقد الوزارة والبعض تعاطف معه (...) نؤكد أن لدينا أسبابنا الواضحة ونرفض نقاش هذه الأسباب عبر وسائل الإعلام لأن هذه ملفات خاصة بالموظفين، رغم أن كثير من الزملاء لدينا أصروا على ضرورة فتح بعض ملفات ممن قالوا إنه وقع عليهم ظلم.

■ كيف ترون هذه الإنجازات الفلسطينية الرائدة عالمياً؟
- بالحقيقة، إن الإنجازات التي حققها الفلسطينيون على مستوى العالم خلال السنوات القليلة الماضية عظيمة، وباتت تؤرق الإسرائيليين. العالم أصبح يعرف عن الفلسطينيين أكثر ويرى أن الفلسطيني ليس كما يصوره المحتل الإسرائيلي؛ فالفلسطيني إنسان يقدم منظومة فكرية نوعية وتعليما نوعيا ويستطيع أن يفوز رغم قهر الاحتلال.
عندما يفوز فلسطيني على العالم بتميزه وقصة نجاحه تعتبر إسرائيل نفسها في أزمة علاقات عامة وتحاول طمس الإنجاز.. كل جائزة حصلنا عليها ذهبت إسرائيل للجهة التي منحتها إياها لمحاولة حصارها. على سبيل المثال، عندما حصلت حنان الحروب عل جائزة المعلم الأولى باتت إسرائيل تفتش في التفاصيل فأرادت أن تستهدف عائلتها باتهامها أنها "عائلة إرهابية"، وعندما حصلنا على جائزة أفضل دولة في التعامل مع التعليم الرقمي من بلجيكا وقعت ضغوط على الحكومة البلجيكية.
ولكن اليوم، انفرط العقد وإسرائيل باتت لا تستطيع الوقوف أما المد الفلسطيني، خصوصا مع كثرة الجوائز وآخرها "انتل" و"تحدي القراءة العربي". وبالتالي لم يعد أمام الاحتلال من ملاذ إلا الهجوم على التعليم الفلسطيني بادعاءات واهية.

■ ماذا عن جهود الوزارة تجاه أبناء شعبنا في الخارج؟
- منحنا الدراسية متاحة لكل فلسطيني أينما وجد، وقد وقعنا اتفاقية مع مؤسسة الرئيس محمود عباس لتخصيص 15% من هذه المنح للاجئين الفلسطينيين في سوريا ولبنان.
الآن، قانون التعليم العالي الجديد يتيح المجال لمفهوم التعليم الإلكتروني وسنعمل مع جامعاتنا الفلسطينية بحيث تتيح هذا النوع من التعليم لخدمة أبنائنا اللاجئين ممن هم في الخارج. الهموم علينا كبيرة، ونحاول قدر الإمكان خدمة شعبنا في الداخل والخارج.
لدينا ثلاث مدارس في صوفيا وبخارست والدوحة والعام الدراسي القادم سيشهد ميلاد مدارس جديدة في تركيا، وهدفنا أن نصل إلى كل فلسطيني في العالم.

■ واقع البحث العلمي ما زال سيئاً.. إلى متى؟
- البحث العلمي أجهد في فلسطين خلال السنوات الماضية ولم يعط حقه من الاهتمام. لذلك، قمنا بتخصيص 20.4 مليون شيقل لدعم البحث العلمي في الجامعات، حتى لا يقف المال عائقاً، وطلبنا منها التركيز على ثلاثة محاور رئيسية، أولا: أبحاث علمية قويمة تنشر في مجالات علمية مرموقة، ثانيا: أن يتم تخصيص مساحات أكبر للأكاديميين وإعفاؤهم من المهمات الثقيلة من أجل التفرغ للبحث العلمي، وثالثا: أن يكون الطلبة ضمن البحث العلمي.
ولكن، لا تستطيع الجامعات وحدها تحمل هذه الأعباء، وبالتالي، نحن نسير نحو تعزيز دور مراكز الأبحاث وقمنا بتوقيع 170 اتفاقية مع المجتمع المحلي البعض منها مراكز بحثية للتركيز على هذا المفهوم.
وفي السياق، الإسرائيليون يركزون على الأبحاث ويعتمدون عليها في صياغة رؤاهم وصناعة القرار، في المقابل، الوزارة مثلا لا تستطيع تركيز كل جهدها على رصد التحريض وهذا يحتاج لمراكز أبحاث فلسطينية، وبالتالي أوجه نداء عبر "القدس" لمراكز الأبحاث الفلسطينية أن تنتفض دفاعاً عن التعليم.

■ ما هي آفاقكم.. وكلمتكم الأخيرة؟
- ترسيخ مفهوم التعلم الذكي، وتعزيز مفهوم رقمنة التعليم، والتركيز على دمج التعليم المهني والتقني، وتطبيق إلزامية التعليم ما قبل المدرسي.
على الجميع أن يطمئن أن التعليم في فلسطين إن شاء الله بخير، حد الكمال لا نستطيع وصوله إلا بدعم الجميع. أشكر صحيفة "القدس" الرافد الإعلامي الرئيس التي يحترمها الجميع ويقدرها في إسناد وزارة التربية والتعليم العالي ولا أنسى صفحة الأخبار التربوية التي غطت الفعاليات والإبداعات التربوية والأكاديمية الفلسطينية.
وأختم حواري معكما بما قاله الراحل نيسلون مانديلا: "التعليم السلاح الأمضى في حياة الشعوب".